الخميس، 12 يوليو 2012

السلام مع النفس

قد نتفق على أن البساطة في الشيء لا يعني فقدان قيمته، بل العكس من ذلك قد تكون هي القيمة المضافة للشخص حينما يستطيع أن ينجز عمل أو يقدم فكرة تحمل العمق والقيمة بإسلوب يحمل سمة البساطة في الطرح أو الأسلوب، وأعتقد جازماً من لديه هذه الملكة هو شخص ناجح في مجال التعليم أو الكتابة.

أتذكر قصة حصلت في بدايات تأسيس التعليم في مملكتنا الحبيبة حيث صدر قرار بأن يتم تسليم رواتب العاملين في المدارس بعد التوقيع بالإستلام لضمان حقوحقهم، ولكن البسطاء من حراس وعاملين لا يعرفوا ما هذا التوقيع أو كيف يكون، مما حدا أحد كبار السن أن يسأل زميل له، كيف أوقع؟ فكانت الإجابة "إكتب إسمك وفسده"، هذه هي البساطه بعينها فلم يُكلف نفسه بالشرح ولم يُجهد السائل لكي يفهم.

ما دعاني للكتابة عن البساطة هو إيماني بأنها أحد الركائز الأساسية لتحقيق السلام مع النفس أو لنقل السلام الداخلي، ذلك السلام الذي نسعى إليه لننعم بحياتنا ونُسعد من هم حولنا، فكل ما يدور في فلك تطوير الذات وتحسين الحالة النفسية والتخلص من المشاعر السلبية والتعامل الإيجابي مع منغصات الحياة دورات كانت او جلسات علاجية هي في الأصل أداوات لتحقيق السلام الداخلي.

هذا الشعور الرائع والممتع والصعب في نفس الوقت يمكن تحقيقه اذا تعاملنا مع أمور حياتنا على ركائز أربعة تبتدئ بالبساطة فالقبول ثم التسامح وأخيراً الاستمتاع لتشكل هرم رباعي الأضلاع ليحقق السلام مع النفس، ومن هنا سأعرج عليها تباعا لنتلمس دروب السعادة.

البساطة يمكن أن تتحقق في أمور حياتنا من خلال تقليل المهام التي يجب أن ننفذها خلال اليوم وحصرها في الأهم، والحد من أوقات قراءة الإيميلات والمشاركات الاجتماعية كتويتر وأخواتها، كذلك تجنب كثرة النقاشات أياً كانت وماذا تهدف مخافة التسويف أو زيادة التفكير، وأهمها هي أن نتعلم قول كلمة "لا"، فليس من الحكمة تنفيذ كل ما يُطلب منك.

القبول هي سمة تتمحور في مهارة تقبل الطرف الآخر كما هو أو كما هي، سواءً في أشكالهم أو سلوكهم أو معتقداتهم أو في طريقة تفكيرهم، وهذه صفة نادرة في مجتمعنا السعودي إلا من رحم ربي. فالقبول لا يعني الإنسياق أو الاستسلام، بل العكس فهذا يمنحنا موقع أفضل للحكم على الأمور وباستقلالية تامة مما يجلب لنا الهدوء بدلاً من الغضب، والتسامح بدلاً من الإمتعاض، والإبتسامة بدلاً من زم الشفاة أو الإضراس (لا تسألوني كيف تكون هذه الحالة).

أما التسامح فهية صفة الأنبياء، عندما يخطئ شخص عليك وتستطيع تجاوز ذلك فإن الألم الذي يختلج صدرك من هذا الشخص سوف يتلاشى فتحرر نفسك من قيود الماضي تجاهه ولن تستجلب تلك المشاعر السلبية في كل مرة تتذكره أو تقابله، ولن نجد أروع الأمثلة في هذا مثل قول الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم "إذهبوا فأنتم الطُلقاء" هذا العبارة العظيمة في مشهد مهيب يوم فتح مكة بعد ما سأل كفار قريش ماذا تظنون أني فاعل بكم، اللهم صلِ وسلم عليه وألهمنا من سيرته العطرة ما نعين به على أنفسنا.

المسامحة ليس فقط للآخرين بل لأنفسنا أيضاً فلا جلد ذات ولا إهمال أو قنوط من رحمة الله صدقوني إنها نعمة لمن يعيها ويتقنها على الوجه الذي يرضي ربه.

أهم عناصر السلام الداخلي وأجملها وأقربها للنفس هي "الاستمتاع"، بماذا؟ بأي شيئ، ومتى؟ أي وقت، وكيف؟ كيفما إتفق.

الاستمتاع هو أن تعيش متعة اللحظة ما بين (كان) و (سوف)، إن النظر في الأحداث الصغيرة في خضم أعمالنا واستنباط جماليتها له الأثر المبهج على النفس، هو الإحساس بالسعادة بأحداث الساعة بل الثواني مما يشعرنا أن اليوم بنهاره وليله قد إمتد أكثر من وقته وكأن الكرة الأرضية قد تباطأت في الدوران من أجلك فقط لتستمع بمكنونها.

من الجميل أن تعمل في مجال تحبه وتجد المتعة في ممارسته ونفس الوقت يدر عليك مالاً، فإن كان هذا صعباً إذا فالنخصص وقت لممارسة ما نحب عمله بجانب واجباتنا، قد يكون عملك غير محبب وينطبق عليك مثل "مكره أخاك لا بطل" ولكن هذا لا يعني أن (نتحلطم).

في الختام أعزائي القراء ... إذا الدول تسعى للسلام حماية لمقدراتها حتى من خلال التسلح النووي، فمن باب أولى أن نسعى للسلام الداخلي بما نستطيع وبكل قوة وهنا أقولها لكم يمكنكم ذلك من خلال أربع كلمات بسيطة تخلق لكم قناعة، هذه القناعة ستتحول لسلوك، هذا السلوك سيبني هرم السلام الداخلي في أنفسكم بإذن الله.

أربع كلمات اقرأها معي مرة أخرى، البساطة، القبول، التسامح، الاستمتاع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق